فضاء حر

الحرب من الداخل .. مأرب بين السقوط والمقاومة (1)

يمنات

ماجد زايد

عام ونصف قضيتها في مأرب، كانت فترة من العمر لا تنسى ولا تحدث، فترة من الزمن البطيء والسريع والمتلاحق بالأحداث، خلالها تعرفت على ملامح الحياة وطبيعة السكان والقادمون الجدد الى المدينة المتشكلة حديثًا، عاصرت بالفعل تشكلًا جديدًا لمدينة ناشئة مع حدوث متغيرات ديموغرافية واضحة، وبالرغم من أنها تبدو في حالة توسع مستمر، إلّا أن نموها السكاني حدث تدريجيًا كنتيجة إيجابية عن فترة سلبية من المنظور العام، محافظة مأرب مرت بدورات ديموغرافية متلاحقة ومتزايد خلال توقيت قصير، وبينما تمكنت طفرتها الحديثة في العقارات والمباني من التصدي للتحديات التي أوجدها ارتفاع عدد السكان وتزايدهم المفاجئ، ظهرت عقبات جديدة تزامنت مع تحدياتها؛ فعلى سبيل المثال، أثمر النمو العمراني المتسارع جدًا منذ سبعة أعوام على إيجاد حلول لبعض الصعوبات المرتبطة بالتزايد البشري والتدفق الشبابي على المدينة، لكنها أيضًا خلقت طفرة أدت الى ظهور نمط متفاقم من الإحتكار والتربح والإستغلال وهذا أفرز إرتفاعًا متلاحقًا في قيمة العيش المادية، تكلفة السكن في مأرب تقارن بمدن خليجية من حيث تكلفتها المالية، وقيمة المواد الإستهلاكية مرتفعة جدًا، هذه المدينة مرت بحقبة تغيير جذري يعتبر الأكثر تسارعًا بين سابقاتها من المدن اليمنية، ومن ناحية متصلة تؤدي أربع قوى مترابطة دورًا كبيرًا في التأثير على الطريقة التي تتطور بها المدينة: الموارد النفطية، وإستثمارات القيادات المسلحة، وأسعار العقارات المرتفعة، بالإضافة الى قيادات الإصلاح القادمين من مناطق صنعاء وتوابعها للإستثمار في المدينة والإحتماء بها، الحياة في مأرب ليست رداءًا جديدًا من الإنفتاح والتطوير، بقدر ماهي إكتضاضًا بالغًا جلب الإنفتاح والتكيف والتطوير، شوارع المدينة بدأت بالرصف والتسوية والتوسع، ألة البنية التحتية تسير بشكل متسارع منذ البدايات، كأنها تسابق الزمن وتلاحق الأضواء والقناعات، لكتها أيضًا شكلًا أخر عن إرضاء الذات المقهورة أو الذات المنافسة على الحكم في المدينة خصوصًا مع خلافات التنظيم المدفونة مع مشائخ المدينة الأصليون، وهي أيضًا محاولة لإيجاد البديل الحضاري لحياة الحكام السابقين لصنعاء، ربما لإثبات نموذج ناجح عن الكفاءة والأحقية والبرجماتيا، وربما كبديل عن خيالات العودة لمدينة قديمة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا زالت المدينة تعاني من الخوف الوجودي، والنار المدفونة بين فصيلين نديان لبعضهما، والقبضة الأمنية المشككة في كل شيء يسير في الشوارع..!

هذا المقال سيسرد كثيرًا من الحقائق والتجارب والتحليلات والشواهد المختلفة، وبعناوين مختلفة عن أمور متقاربة ومنفصلة وقريبة من الحرب والواقع والمستقبل القادم..

الخوف الحائر

خلال الأشهر الأخيرة، يعيش الناس في مأرب بشتى إنتماءاتهم وتكويناتهم على خيالات الخوف من القادم، الخوف من الحرب الحتمية على إستقرارهم ونموهم، وتمامًا كما يقول “بيكساي”: في كل منعطف تاريخي يلبس “الخوف” الإنساني لبوسًا جديدًا.. هذا ما يعكسة تفاعلات الناس في المدينة وخيالاتهم المضطربة وغير المستقرة، تفاعلاتهم التي تشكلت في غايتها ووجودها لردع فكرة “الخوف والخطر”، الخوف الذي يسكنهم حيال الحرب الحوثية عليهم، والخطر المتصاعد تجاه مدينتهم، وما تلك المظاهر المسلحة والمتزايدة في شوارعهم سوى صورة أخرى عن فكرة البحث عن حالة “الاطمئنان”، أي الاستمتاع بـ “فكرة الحياة المستقرة والنمو الجديد” دون التفكير في “خطر الحوثي المتفاقم حول المدينة”!

أدعيتهم في المساجد لا تكاد تتوقف، خطب الجمعة وتحشيداتهم خلالها، التحذير المهووس من الخلايا المندسة، الإتهامات الداخلية البينية، التشكيك الممنهج بكل ما يعيش بينهم، التهويل الكبير لفكرة الحق والإنتصار، كل هذه الأمور إنعكاسًا واضحًا لحالة الخوف العام من خطر قادم.. لذا ظلت مقاومة “الخوف” هاجسًا مؤرقًا، كلما أرادوا مطاردته، عاد إليهم على هيئة جبهة أخرى وتحشيد أكبر، الإنسان كثيراً ما يصنع الخوف ثم يحاربه، هكذا يقول “بيكساي” فكلما أعتقدوا بأن سلاحًا جديدًا يحميهم اكتشفوا أن هناك سلاحًا أشرس منه في يد خصومهم، إكتشفوا أن الحرب عليهم مفتوحة من كل الجهات وعلى كل الجبهات، والموت في كل ركن، لهذا ظل الخوف قائم، والبحث عن مقاومة الخوف قائمة، وصناعة “الخوف” قائمة أيضًا.

مأرب الناس والزحام والحياة

مازلت محتفطًا بكلماتي عن المدينة وتفاجئي منها منذ البداية، الكلمات التي لم أتوقع عبرها أبدًا وأنا في طريقي إليها أن أصير أحد العاشقين لها ولشوارعها وزحامها وأسواقها وناسها المتمسكين بعروبة الصحراء وشهامة الأقحاح وكبرياء البدو المحاربين، في مأرب بالفعل إمتزجت الأحلام والإمنيات المكسورة بأمل التضحيات والعبور على صراط الأخوة والذود عنها مهما بلغت التكاليف، شباب المدينة الأصليون أو القادمون الجدد يشبهون الوطن، أو يبحثون عنه في معظم التفاصيل، ينتظرونه كل يوم ويصنعون منه وطنًا أخر للمستجيرين من الخوف والعنف والبهتان، في مأرب أصبحت الحياة بملامحها الشعبية والبسيطة جميلة كقلوب الصغار بينما يسيرون في حدائق المدينة وأسواقها المسائية، الحياة هناك مكتملة الملامح لكنها تنتظر السلام بعد أن رسمته في تفاصيلها الكثيرة، لكنها تخشى الحرب وتتجنب التفكير في عاقبتها، في مأرب الجود والكرم، الشهامة والإباء، الناس الطيبون، الصمود والرفاق، الحب حينما يدوس على المدافع، بعد وقوع القلب في حب الكلمات الغريبة عن المدن البعيدة، كلمات الإباء والكبرياء وإرغام النفس على الحياة لأجل الأخرين.

مأرب كمدينة أصبح لها ملامح من الاشكال الحديثة، لكنها بالرغم من هذا تعاني من إستغلال التجار وجشعهم وربما إحتكارهم، المطعم في مأرب يطلب أسعارًا مضاعفة، صاحب البقالة، تاجر المواد الغذائية، سائق النقل، بائع البطاط، صاحب الشبكة، صالون الحلاقة، محلات الملابس والأحذية والكماليات والمفروشات والأثاث والمكتبات والفنادق والاستراحات والإيجارات وكل شيء، المقاوته الأوغاد أيضًا، الجميع يطلبون أسعارًا مضاعفة، مضاعفة بكثير، كأنهم ينهبون الناس بشكل صامت، لا أحد يدري أو يتحدث عنهم،، لا أحد يجرؤ ربما، التجار في مأرب يحددون مقدار أرباحهم ومكاسبهم وفقًا لأهواءهم ومزاجهم في اللحظة الأنية، هذا ما يحدث فعلًا عندما يكون الجانب التجاري والإستهلاكي بلا رقابة، سترتفع الأسعار وسيزداد الجشع وسيكثر التذمر في ذات الجغرافيا المتروكة بلا حملات تفتيش للأسعار. العملة أيضًا تنهار بفعل هؤلاء الإنتهازيين، بفعل تجاهل السلطة لهم، هذه جبهة أكثر من الحرب في أهميتها وفداحتها، لقد تركوا الجشع يستحوذ على السوق فيها، لقد تركوا التجار يبتزون المستهلك المسكين، في مأرب أسعار الكهرباء مرتفعة أيضًا، وكل تجارها يشتكون من مضاعفة الأسعار على الكهرباء دون مسوقات، لكنها تظل مجانية للحارات والبيوت، هذه حقيقة، وحقيقة أخرى يجب أن يعرفها الجميع; الحياة في المناطق عالية الحرارة دون كهرباء أو كهرباء بديلة معاناة وجريمة تمنع الحياة عن الإستمرار، تصبح التفاصيل فيها أشكالًا بلا معنى، بلا رغبة، بلا حياة من أساسها، لا قيمة للأفكار والأمور الكمالية فيها دون هواء بارد. الكهرباء شريان حياة وضرورة بقاء حتمية ووجودية، وإنعدامها موت نهائي. الكهرباء أوكسجين للناس، خبز يعتق الجوعى من الموت، شريان دم يصل الرأس بالقلب، وإنقطاعها جريمة حرب، جريمة لا تسقط مع الأيام، جريمة تقذف في الجحيم من تسببوا في خرابها أو من يمنعونها عن الناس.

بمعنى أخر ظهرت في مأرب نماذج مبالغ فيها عن اقتصاد الحرب، فانهيار الدولة والظروف غير الاعتيادية للحرب أتاح لأشخاص في أماكن سياسية وعسكرية أن يكسبوا أرباحًا مادية بطرق لم تكن ممكنة في وقت السلم، بمعنى أن الفساد يتفشى بشكل كبير في المدينة واستغلال ظرف الحرب أيضًا بنفس القدر في بقية المدن التابعة لحكومة هادي..

مأرب والنازحين

يوجد في مأرب 138 مخيمًا للنازحين منها خمسة تم إلغاءها وثلاثة تم إجلاءها من مناطق الصراع المسلح، هذه المخيمات موزعة على أطراف مأرب وصحرائها ومناطقها المحاددة للمدينة، بالإضافة لحارات الجفينة وإمتداداتها المترامية بعيدًا، المخيم قد يكون حارة، أو عدة منازل بمنطقة معينة، ولكنها لا تحظى بالخدمات الإنسانية الضرورية في حدها الأدنى. تلك الأعداد من النازحين جلبت للمدينة عشرات المنظمات الدولية والموظفيين الإنسانيين الأجانب والحاليين، الموظفين الأجانب بالإضافة الى مهامهم الإنسانية يقومون بالتواصل مع الوكالات الإخبارية والقنوات الغربية لتزويدهم بالمعلومات المستجدة، وهذا الأمر هو مصدر بعض الأخبار المغايرة للواقع، الأخبار التي تثير حفيظة ناشظي المدينة وصحة ما يروجون له عن سير خط المعارك والمواجهات، لهذا لا تستغربون من رويترز أو الوكالة الفرنسية حينما تنشر أخبارًا تتعارض مع ما يريده ناشطوا المدينة، لأن مصدرهم فعليًا يعيش داخل المدينة وقريب من السلطة ومتعاقدين مع عدة موظفين محليين يزودونهم بالمعلومات والمستجدات بغض النظر عن طبيعة المعلومات.. هؤلاء العاملين الأجانب فروا من المدينة الى فنادق سيئون مرتين وعادوا بعدها خلال شهرين ماضيين وبالطبع خوفًا من إقتراب الحرب بإتجاه المدينة، هذه مؤشرات قناعتهم الخفية بأن المدينة ستسقط في يد الحوثي المسلحة وهو ما ينسفه الواقع في كل مرة..

في مخيمات النزوح بمأرب يقضي الناس حياتهم باحثين عن مجرد بقاء، ولسانهم في صمته يقول: وطن لله يا محسنين، هذه حقيقة ما يجري، تلك الصحراء اليمنية الحارقة تحوي بين جنباتها وترابها عشرات الالاف من النازحين المشردين، ومئات الخيام وعشرات المخيمات والعمل الإنساني المتزايد يومًا بعد أخر، وبجوارهم في أماكن قريبة يرتص المشردون القادمون من أفريقيا، يرتصون بخيباتهم جوار شقاءهم ويعيشون منتظرين شيئًا من الله يحدث ليّخلصهم أيضًا من بلاءهم، كأن التشرد والخذلان وطن واحد للمحرومين جميعًا.

أخيرًا، ومع تزايد وتيرة الحرب، تبقى المأساة الإنسانية هي الجزء المغيب في تداولات أخبار المعارك بالمدينة، إذ يبقى مصير مئات الآلاف من النازحين الذين يسكنون أطراف مأرب، والمنتشرين في مخيمات نزوحها، كارثة حقيقية نتيجة اقتراب المعارك باتجاههم. يتزامن ذلك، مع غياب الموقف الدولي المسؤول لإيقاف هذه الكارثة.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520.

زر الذهاب إلى الأعلى